د. رضوى عبداللطيف
صحفية - مصر
يحتفل العالم اليوم باليوم العالمي للبيئة تحت شعار "مستوحى من الطبيعة ..من أجل المناخ من أجل مستقبلنا" في فعاليات ممتدة على مدار اليوم للتوعية بأهمية التغيرات المناخية الحادة التي يشهدها كوكب الأرض وضرورة التحرك العاجل من أجل إنقاذ كوكبنا من الدمار.
لكنني وجدت أنه من الإنصاف أن يسمع العالم (إن كان يسمع) صوتا يقول بوضوح أن قضيتكم غير قضيتنا ، وبيئتنا غير بيئتكم.
و هذا الواقع المرير شاركتم في فرضه علينا ، فلسنا أسوياء ولا توجد عدالة بيئية أو مناخية كي ننقذ الكوكب سويا . عفوا قضيتنا قد تبدو واحدة ولكنها ليست كذلك في الواقع.
والأصح بالنسبة لي أن أسال ، بل ومن حقي وواجبي أن أسأل ..من سينقذ دولنا العربية من ظلمكم البيئي الفادح ؟
نعم أيها السادة ، ميزانكم مختل ، والعدالة البيئية غائبة ، فنحن نعيش وسط بيئة متهالكة أعيتها الحروب.
ومن لم يقتلون بفعل الصواريخ والقنابل المحرمة دوليا ، يموتون ببطء كل يوم بسبب إعتلال في الصحة ناتج عن تلوث كل شيء.
والبعض الآخر يموت جوعا بسبب نقص الغذاء بعد أن دمرت الأرض والمحاصيل لنسب تفوق الخيال. فغزة وحدها فقدت 98% من أراضيها الزراعية بحسب تقديرات محلية ودولية .
والسودان تعاني من أزمة غذاء بسبب تدمير 60% من أراضيها الزراعية وانهيار شبكات الري وتلوث المياة والتربة بسبب الصراعات المسلحة .
ولبنان دمرت فيها البساتين والأراضي الزراعية فضلا عن تلوث التربة بالفوسفور الأبيض والمعادن الثقيلة نتيجة الصواريخ والذخائر التي تستخدمها إسرائيل.
وليست اليمن بأحسن حالا فهي أيضا تعاني من تدمير ما يقرب من نصف أراضيها الزراعية بسبب الحروب. وكل هذه النسب والأرقام رصدتها تقارير شبكة البيئة في جنيف في أحدث تقرير لها 2026 بالإضافة لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO).
وأن كانت هذه مؤشرات لحالة التربة والأرض التي تقول الدراسات أنها أصبحت تحتاج عقودا للتعافي ، فحالة الماء والهواء ليست بالأحسن حالا، فهناك مناطق كثيرة أصبح الحصول فيها على كوب من المياة النظيفة حلما صعب المنال .
وانتشرت الآوبئة والأمراض خاصة الإسهال والفشل الكلوي غير الأورام بأنواعها المختلفة . في حين تسببت الاننبعاثات السامة و تلوث الهواء بمركبات الكبريت والهيدروكربونات السامة في مشاكل تنفسية وجلدية ومشاكل في العيون نتيجة لاحتراق آبار النفط مثل الحالة في إيران التي تعرضت لانبعاثات تلوث ضخمة بعضها سام من حرائق منشآت النفط والغاز، مما أدى إلى "مطر أسود" وتلوث في الهواء والمياه. سيظل أثره ممتدا لسنوات.هذا فضلا عن خطر التلوث النووي التي ظلت المنطقة تعيشه في ظل استهداف منشآت نووية في الحرب.وأصبحنا جميعا نعيش تبعات هذا الواقع المؤلم من ارتفاع في درجات الحرارة وتغيرات حادة في المناخ أمتد أثرها لكل دول المنطقة.
ما تحدثت عنه الآن ، هي جرائم بيئية ومناخية لم يحاكم أو يحاسب عليها أحد، وهي أمثلة بسيطة لواقع أكثر تعقيدا ومأساوية رغم توفر قوانين نظرية وضعتها المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، مثل نص المادتين 35 و55 عام 1977 في البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جينيف والذي جرم استخدام أساليب قتال تلحق أضرارا بالبيئة . بينما جرمت معاهدة الأسلحة البيولوجية عام 1972 استخدام غازات سامة أو ميكروبات تدمر البيئة والنبات وتلوث المياة.
ورغم ذلك لم تحدث أية سابقة تاريخية على أن أحدا حوكم بسبب ارتكابه جرائما بيئية أثرت على حياة ملايين البشر.
وانطلاقا من كل هذا ، لا أعتقد أننا نحتاج تعاطفا مع الكوكب ، نحن نحتاج عدالة بيئية تجعل من يتشدقون بحماية البيئة في مؤتمرات وقمم المناخ أن يتوقفوا عن الدعم السياسي والعسكري للدول التي تلوث أرضنا وماءنا وهواءنا وتدمر أجيالا كل يوم. فلا يعقل أن نعيش في ظل هذه الإزدواجية في المعايير طويلا. ولا يعقل أن لا نقول لهم ذلك بكل بوضح.
وواجبنا الآن في دولنا العربية ونحن نؤازر حملات المناخ والحفاظ على البيئة ونتحدث عن الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة ، أن تكون لنا أجندتنا الخاصة التي ترصد واقعنا بدقة، فبيئتنا غير بيئتهم ، لدينا جرائم بيئية ومناخية علينا أن نوثقها ، لدينا أصوات لملايين من الأبرياء الذين تضرروا علينا أن نوصل أصواتهم ، ويجب أن يكون لدينا حراك بيئي عربي موحد لمناقشة الحلول ولوضع قوانين تجرم كل من يعبث بأمننا وسلامتنا وصحتنا.
فنحن أول من وضعنا قوانين وأخلاقيات لحماية البيئة عندما نهانا الرسول محمد (ص) عن قطع الأشجار وتدمير الزرع والنخل ومنع إلقاء السم في آبار الأعداء أو تلويث مصادر المياه .
هذه الأخلاقيات التي تعلمناها منذ قرون لحماية البيئة في النزاعات المسلحة قبل أن يضع لها الغرب قوانينا ، تؤكد على أن القوة تحكمها الاخلاق والرحمة و للأسف نحن نتحدث عن مباديء ليس لها وجودا قي قاموس صراعات اليوم .
ومع تصاعد المطالبات العالمية الآن من بعض الناشطين بإضافة جريمة تحت مسمى " الإبادة البيئية Ecocide " بوصفها جريمة ضد الإنسانية يحاكم مرتكبيها أمام المحكمة الجنائية الدولية ، علينا أن نستحدث قوانيننا في الدول العربية التي تحافظ على البيئة والمناخ وتجرم كل من يعبث بأمن وسلامة البشر.
فنحن لن نصبح ضحايا صامتين ونحن نتحدث عن ماضي وحاضر مكدس بالجرائم البيئية في حقنا ، و مستقبل أجيال لم تأتي بعد وقد تضررت بسبب ما نعيشه اليوم من جرائم آمنة العقاب لكل من يرتكبها.
ورسالتي الأخيرة في يوم البيئة العالمي ..فلتعلوا أصواتنا العربية في كل المحافل الدولية مطالبة بحقنا في الحياة وحق أرضنا الطيبة بأن تظل طيبة عندها فقط سيمكننا إنقاذ هذا الكوكب.