عمر سيف الصايدي
صحفي يمني
بين طموحات الحياد المناخي وتحديات التنمية، تواجه الدول العربية اختباراً حقيقياً لتحويل التعهدات الدولية إلى خطوات ملموسة، فيما يفتح مؤتمر COP31 المرتقب فصلاً جديداً من النقاش حول مستقبل الانبعاثات العالمية.
في اليمن، حيث أصبحت الألواح الشمسية جزءاً من مشهد الحياة اليومية في كثير من المناطق، قد لا يعرف المواطن الذي يستخدمها معنى «صافي الانبعاثات الصفري»، لكنه يشارك، بطريقة أو بأخرى، في أحد التحولات التي يسعى العالم إلى تحقيقها لمواجهة تغير المناخ.
ففي بلد يعاني أزمات متواصلة في الكهرباء والوقود، لم تعد الطاقة الشمسية مجرد خيار بيئي، بل أصبحت وسيلة لتشغيل المنازل والمستشفيات والمدارس، وتوفير خدمات أساسية يصعب الاستغناء عنها.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، استفاد نحو 199,745 شخصاً من تزويد أكثر من 152 مرفقاً للخدمات العامة في اليمن بمعدات الطاقة الشمسية منذ عام 2023، ضمن أحد البرامج المدعومة دولياً. كما يُتوقع أن تسهم 164 منظومة شمسية نُفذت في إطار البرنامج في خفض نحو 560 طناً من الانبعاثات سنوياً.
هذه الأرقام جعلتني أتوقف أمام سؤال يبدو بسيطاً: إذا كانت الطاقة الشمسية تستطيع إحداث فرق في حياة الناس داخل بلد يواجه ظروفاً اقتصادية وإنسانية صعبة، فما الذي يمكن أن يحدث لو اتجه العالم كله إلى تقليل اعتماده على مصادر الطاقة المسببة للانبعاثات؟
من هذا السؤال بدأت رحلتي في فهم مصطلح يتكرر كثيراً في التقارير العلمية ومؤتمرات المناخ: «الصفر الكربوني».
الصفر الكربوني.. ماذا يعني علمياً؟
عندما نسمع مصطلح الصفر الكربوني، قد نتخيل عالماً بلا مصانع أو سيارات أو مداخن تطلق الغازات إلى السماء. لكن الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفري لا يعني بالضرورة إيقاف جميع الانبعاثات.
فالمفهوم العلمي يقوم على تحقيق توازن بين كمية الغازات الدفيئة التي تنتج عن الأنشطة البشرية والكمية التي تُزال من الغلاف الجوي، بحيث يصبح صافي الانبعاثات مساوياً للصفر.
وللوصول إلى هذه المرحلة، يتعين على الدول خفض الانبعاثات بصورة كبيرة من قطاعات الطاقة والنقل والصناعة والزراعة، والتوسع في استخدام الطاقة النظيفة، وتحسين كفاءة استهلاك الموارد.
أما الانبعاثات المتبقية التي يصعب التخلص منها، فيمكن التعامل معها من خلال وسائل إزالة الكربون، سواء عبر الحلول الطبيعية أو التقنيات المتخصصة، مع مراعاة حدود كل وسيلة ومدى فاعليتها واستدامتها.
ومن المهم التمييز بين الحياد الكربوني، الذي يُستخدم غالباً للإشارة إلى موازنة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وصافي الانبعاثات الصفري لجميع الغازات الدفيئة، والذي يشمل غازات أخرى مثل الميثان وأكسيد النيتروز.
وتكمن أهمية هذه الجهود في أن ارتفاع تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي يؤدي إلى زيادة احتباس الحرارة، وبالتالي ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض، وما يرتبط بذلك من موجات حر أشد، وتغيرات في الأمطار، وجفاف، ومخاطر على الأمن الغذائي والمائي.
العالم العربي.. أهداف مشتركة وطرق مختلفة
لا تقف الدول العربية على مسافة واحدة من هدف الصفر الكربوني.
فبعضها يمتلك اقتصادات تعتمد بدرجات كبيرة على النفط والغاز، وبعضها الآخر يعاني محدودية الموارد المالية والطاقة، فيما تواجه دول عديدة تحديات مرتبطة بالجفاف وندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة.
ومع ذلك، بدأت عدة دول عربية إعلان أهداف طويلة المدى للوصول إلى صافي الانبعاثات الصفري.
فقد حددت الإمارات العربية المتحدة عام 2050 موعداً مستهدفاً لتحقيق الحياد المناخي، وهو الموعد الذي تستهدفه سلطنة عُمان أيضاً، بينما أعلنت المملكة العربية السعودية استهداف عام 2060.
وتكشف هذه المواعيد عن توجهات متقاربة في الهدف، لكنها تختلف في المسارات الاقتصادية والسياسات والأدوات التي تعتمدها كل دولة.
فالإمارات تعمل على التوسع في مشروعات الطاقة النظيفة وتطوير سياسات خفض الانبعاثات، بينما تتجه السعودية إلى تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في الطاقة المتجددة وتقنيات إدارة الكربون ضمن مبادراتها الوطنية. أما سلطنة عُمان، فتربط جزءاً من تحولها الطاقي بالتوسع في الطاقة المتجددة والهيدروجين منخفض الانبعاثات، بما في ذلك الهيدروجين الأخضر.
لكن هذه التعهدات، مهما بدت طموحة، لا تكفي وحدها للحكم على التقدم المناخي.
فالسؤال الأهم لا يتعلق فقط بالعام الذي تعلن فيه الدولة الوصول إلى الصفر الكربوني، بل بما تحققه فعلياً قبل ذلك الموعد: كم انخفضت الانبعاثات؟ وما نسبة الطاقة النظيفة؟ وهل تسير السياسات والاستثمارات في اتجاه تحقيق الأهداف؟
مؤتمرات المناخ.. من يحدد قواعد اللعبة؟
منذ بدأت متابعة مؤتمرات المناخ، كنت أعتقد أن الدول تجتمع كل عام لتعلن أهدافاً جديدة وتناقش مستقبل الأرض. لكن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك.
فمؤتمرات الأطراف، المعروفة اختصاراً بـCOP، تمثل الإطار الدولي الذي تجتمع فيه الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ للتفاوض واتخاذ قرارات تتعلق بالعمل المناخي.
وكان اتفاق باريس، الذي اعتُمد عام 2015، إحدى أبرز المحطات في هذا المسار، إذ وضع هدفاً عالمياً يتمثل في إبقاء ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض أقل بكثير من درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود للحد من الارتفاع عند 1.5 درجة مئوية.
ومن أجل تحقيق ذلك، تقدم الدول ما يُعرف بـ«المساهمات المحددة وطنياً»، وهي خطط توضح من خلالها الإجراءات والأهداف التي تعتزم تنفيذها لخفض الانبعاثات والتكيف مع آثار تغير المناخ.
ويُلزم اتفاق باريس الدول بإعداد هذه المساهمات وتقديمها وتحديثها دورياً، مع تعزيز الشفافية والإبلاغ عن التقدم، لكنه لا يجعل تحقيق كل هدف رقمي تعلنه دولة ما التزاماً دولياً قابلاً للإنفاذ بالطريقة نفسها.
وهنا تظهر واحدة من أبرز إشكاليات العمل المناخي: كيف يمكن ضمان تنفيذ التعهدات الوطنية في عالم تختلف فيه القدرات الاقتصادية والأولويات السياسية والاحتياجات التنموية؟
الأرقام تكشف الفجوة بين الوعود والواقع
رغم التقدم في انتشار الطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الانبعاثات، لا تزال المؤشرات العلمية تشير إلى أن الجهود العالمية غير كافية لتحقيق أهداف اتفاق باريس.
فوفق تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2025، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، قد تقود السياسات الحالية إلى ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض بنحو 2.8 درجة مئوية خلال هذا القرن.
أما إذا نُفذت المساهمات المحددة وطنياً التي شملها التقرير بالكامل، فإن الاحترار المتوقع يتراوح بين 2.3 و2.5 درجة مئوية.
وهذا يعني أن تنفيذ التعهدات المعلنة يمكن أن يحسن المسار المناخي، لكنه لا يزال غير كافٍ لتحقيق الهدف الأكثر طموحاً لاتفاق باريس.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن وضع العالم على مسار متوافق مع الحد من الاحترار عند درجتين مئويتين يتطلب خفض الانبعاثات السنوية العالمية بنحو 35% بحلول عام 2035 مقارنة بمستويات عام 2019، وترتفع النسبة المطلوبة إلى نحو 55% للمسار المتوافق مع 1.5 درجة مئوية.
هذه الأرقام تضعنا أمام حقيقة واضحة: لم يعد الوقت المتاح للعمل المناخي مفتوحاً، وكل تأخير في خفض الانبعاثات يزيد صعوبة تحقيق الأهداف المستقبلية.
لكنها تكشف أيضاً أن التقدم ليس مستحيلاً، خصوصاً مع تطور تقنيات الطاقة الشمسية والرياح، وتوسع الاستثمارات في الحلول منخفضة الانبعاثات.
اليمن.. حين تصبح الطاقة النظيفة ضرورة للحياة
قد تبدو مناقشات الصفر الكربوني بعيدة عن أولويات بلد مثل اليمن، حيث تشغل الأزمات الاقتصادية والإنسانية والخدمية مساحة واسعة من الاهتمام اليومي.
لكن تجربة الطاقة الشمسية تقدم مثالاً على إمكانية الجمع بين احتياجات التنمية والعمل المناخي.
ففي عدد من المرافق الصحية اليمنية، ساعدت منظومات الطاقة الشمسية على توفير الكهرباء اللازمة لتشغيل الأجهزة الطبية وحفظ الأدوية واللقاحات، وتقليل الاعتماد على مولدات الديزل.
وقد وثّق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تزويد 48 مرفقاً صحياً بالطاقة الشمسية ضمن أحد برامجه، بما ساعد على تحسين استمرارية الخدمات الصحية الأساسية.
وهنا لا تتعلق الفائدة بخفض الانبعاثات فقط، بل بتوفير خدمة قد ترتبط مباشرة بصحة الإنسان وحياته.
وبالنسبة لي، تمثل هذه التجربة مدخلاً مختلفاً لفهم التحول المناخي؛ فالمشروعات التي تساعد على تقليل الانبعاثات يمكن أن تقدم في الوقت نفسه حلولاً لمشكلات الكهرباء والصحة والتنمية.
لكن تعميم هذه التجارب يحتاج إلى تمويل مستدام وصيانة وتدريب وقدرة مؤسسية، وهي تحديات لا تقل أهمية عن توفير المعدات نفسها.
كما أن خفض الانبعاثات لا يغني عن ضرورة التكيف مع الآثار المناخية التي تواجه اليمن، خصوصاً ما يتعلق بندرة المياه والفيضانات وتدهور الأراضي الزراعية.
العدالة المناخية.. هل يتحمل الجميع المسؤولية نفسها؟
عندما نتحدث عن خفض الانبعاثات، يظهر سؤال لا يمكن تجاهله: هل تقع المسؤولية على جميع الدول بالقدر نفسه؟
من الناحية العلمية، يتأثر مناخ الأرض بإجمالي تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، لكن مساهمة الدول في هذه الانبعاثات تختلف تاريخياً وحالياً.
كما تختلف قدراتها المالية والتكنولوجية على خفض الانبعاثات والتكيف مع آثار تغير المناخ.
ولهذا يتضمن النظام الدولي للمناخ مبدأ «المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة والقدرات الخاصة بكل دولة»، مع مراعاة الظروف الوطنية المختلفة.
وبالنسبة إلى كثير من الدول العربية النامية، لا تنفصل قضية الصفر الكربوني عن الحاجة إلى تمويل مشروعات الطاقة النظيفة، وتطوير البنية التحتية، وحماية الموارد المائية، ودعم الزراعة القادرة على التكيف مع المناخ.
فالوصول إلى مستقبل منخفض الانبعاثات ينبغي ألا يعني حرمان المجتمعات من احتياجاتها الأساسية، بل إيجاد مسارات تنموية أكثر استدامة وعدالة.
COP31.. اختبار جديد للالتزامات المناخية
في التاسع من نوفمبر 2026، من المقرر أن تنطلق أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الحادي والثلاثين لتغير المناخ (COP31) في مدينة أنطاليا التركية، وتستمر حتى العشرين من الشهر نفسه.
وسيكون المؤتمر محطة جديدة لمناقشة تنفيذ الالتزامات المناخية، وتسريع خفض الانبعاثات، ودعم التكيف والتمويل المناخي.
لكن أهمية المؤتمر لا ينبغي أن تُقاس بعدد الكلمات التي ستتضمنها بياناته الختامية، بل بمدى مساهمته في تعزيز التنفيذ الفعلي للقرارات والتعهدات.
وبالنسبة إلى الدول العربية، سيكون من المهم متابعة ما يتعلق بتمويل المناخ، ونقل التكنولوجيا، وأمن المياه والغذاء، وتحول أنظمة الطاقة، وحماية المجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر المناخية.
أما بالنسبة إلى الصحفيين، فإن تغطية المؤتمر تحتاج إلى تجاوز نقل التصريحات الرسمية نحو فحص الأرقام ومقارنة التعهدات بالإنجازات، والبحث عن أثر السياسات المناخية في حياة الناس.
فليس كل إعلان عن مشروع أخضر دليلاً على انخفاض الانبعاثات، وليس كل تعهد طويل المدى ضماناً للوصول إلى الهدف.
من قاعات المؤتمرات إلى حياة الناس
في بداية مشواري في الصحافة العلمية، أجد أن أكثر ما يثير اهتمامي في قضية المناخ ليس المصطلحات المعقدة ولا الأرقام الكبيرة وحدها، بل العلاقة بين القرارات الدولية وحياة الإنسان.
فحين تتحدث دولة عن خفض الانبعاثات، أتساءل كيف سيؤثر ذلك على وسائل النقل والكهرباء وفرص العمل.
وحين يناقش مؤتمر دولي تمويل المناخ، أفكر في المجتمعات التي تحتاج إلى المياه والطاقة والحماية من الكوارث.
وحين أقرأ عن هدف الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفري، أعود إلى مشهد الألواح الشمسية في اليمن، لأدرك أن التحولات الكبرى قد تبدأ أحياناً من حلول صغيرة تلبي احتياجات الناس.
ربما لن يكون الطريق إلى الصفر الكربوني سهلاً، وربما تختلف سرعة الدول العربية في الوصول إليه، لكن المؤكد أن هذا الطريق يحتاج إلى العلم والسياسات والتمويل والتعاون، وإلى صحافة تتابع ما يحدث بعد انتهاء المؤتمرات.
فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه بعد كل قمة للمناخ ليس فقط: ماذا وعد العالم؟
بل ماذا أنجز بالفعل، وما الذي تغيّر في حياة الناس؟
وهناك، بين الأرقام والوعود والنتائج، تبدأ الحكاية الحقيقية للصفر الكربوني.